ابن الجوزي

17

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

حتى علت الشمس [ 1 ] ، ودخل وأمرنا أن ندخل إلى مجلسه ، فدخلنا وجلسنا ، فما مكث أن خرج علينا ، فلما جلس قام كبير الطباخين حياله يؤذنه بالغداء ، فأومأ إليه أن ائت بالغداء ، فأتاه به فوضع يده فأكل ، فما فقدنا من أكله شيئا . أخبرنا ابن ناصر الحافظ ، قال : أخبرنا ثابت بن بندار ، وأحمد بن علي بن سوار ، وأبو الفضل محمد بن عبد الله الناقد ، قالوا : أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزقه ، قال : أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ، قال : حدّثني محمد بن يحيى ، عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال : كان سليمان بن عبد الملك في نادية له ، فسمر ليلة على ظهر سطح ، ثم تفرق عنه جلساؤه ، فدعا بوضوء ، فجاءت به جارية له ، فبينا هي تصب عليه إذ استمدها بيده وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر ، فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت ، فإذا صوت رجل يغني ، فأنصت له حتى [ إذا ] [ 2 ] فهم ما يغنى به من الشعر ، ثم دعا جارية من جواريه غيرها ، فتوضأ . فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما ، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه ، فأفاضوا في ذلك في التليين والتحليل والتسهيل ، وذكروا من كان يسمعه من أهل المروءات وسروات [ 3 ] الناس ، ثم قال : هل بقي أحد يسمع منه ؟ فقال رجل من القوم : عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان ، فقال : أين منزلك من العسكر ، فأومأ إلى الناحية التي كان فيها الغناء . فقال سليمان : يبعث إليهما ، فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : سمير ، قال : فسأله عن الغناء كيف هو فيه ؟ قال : حاذق محكم ، قال : فمتى عهدك به ؟ قال : في ليلتي هذه الماضية ، قال : وفي أي نواحي العسكر كنت ؟ فذكر له الناحية التي سمع فيها الصوت ، قال : فما غنيت ؟ قال : فذكر الشعر الَّذي سمع سليمان ، فأقبل سليمان ، يقول : هدر الجمل فضبعت [ 4 ] الناقة ، وهب التيس [ 5 ] فشكرت الشاة ، وهدر

--> [ 1 ] في الأصل : « غلبته الشمس » . وما أوردناه من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « سرات » . وما أوردناه من ت . [ 4 ] في ت : « فصنعت » . [ 5 ] في ت : « ونب التيس » .